محمود توفيق محمد سعد
311
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
الناس ، وليس الإشراق طلوع الشمس ، وانما هو صفاؤها وضوؤها ، وشروقها طلوعها . . . . ولما أخبر سبحانه وتعالى عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له أتبعها أخفها وأكثرها انتقالا ، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات ، لأنّه أدلّ على القدرة ، فقال معبرا باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنّها في شدة الاجتماع كأنّها شئ واحد ذكر حالها في وصف صالح للواحد وجعله مؤنثا إشارة إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية والقبول لتصريف الأحكام " والطير " أي سخرناها له حال كونها " محشورة " أي مجموعة إليه كرها من كل جانب دفعة واحدة بما دلّ عليه التعبير بالاسم دون الفعل ، وهو أدلّ على القدرة ، وهي أشدّ نفرة من قومك وأعسر ضبطا منهم . . . " كل " أي كل واحد من الجبال والطير " له أوّاب " أي رجّاع ؛ لأجل " داود " عليه السلام خاصة عن مألوفه ، لا بمعنى آخر مما ألفته ، فكلّما رجع هو عن حكمه ، وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير وجعل الخبر مفردا [ اي أواب ] إشارة إلى أنها في الطواعية في التأديب قد بلغت الغاية حتى كأنّها الشيء الواحد ولم يجعل مؤنثا إشارة إلى شدة زجلها بالتأديب وعظمته ، والإفراد - أيضا - يفيد الحكم على كلّ فرد ، ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجمع بقيد المجموع ، فكأنّ داود عليه السّلام يفهم تسبيح الجبال والطير ، وينقاد له كلّ منهما إذا أمره بالتسبيح ، وكلّ من تحقق بحاله ساعده كلّ شيء - قاله القشيري ففي هذا إشارة إلى النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بأنّا متى شئنا جعلنا قومك معك في التسخير هكذا ، فلا تيأس منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم ، فإنّا جعلناهم كذلك لتروّض نفسك بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالا ، وعلوا ورفعة وكمالا إلى غير ذلك من الحكم التي لا تسعها العقول . ولا تيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك ، فإنهم لا يعدون أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة أو الطير نفرة وطيشا وخفة ، فمتى شئنا جعلناهم لك مثل ما جعلنا الجبال والطير مع داود عليه السلام ، بل أمرهم أيسر وشأنهم أهون " « 1 »
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 16 / 351 - 354